النقد السياسي

خطاب التطبيع في الإعلام المغربي: قراءة نقدية موثّقة

منذ أن أعلنت المغرب في دجنبر 2020 استئناف علاقاتها مع الكيان الإسرائيلي ضمن ما عُرف بـ«الاتفاقيات الإبراهيمية»، تصاعد حضور خطابٍ إعلاميٍّ يُقدّم هذه الخطوة بوصفها «خياراً استراتيجياً» و«مصلحة وطنية». لكن هذا الخطاب لا يُقرأ في فراغ؛ فتحت سطح «المصلحة» يقف نزاعٌ عميق حول الهوية والشرعية والموقف من القضية الفلسطينية. هذه قراءة نقدية في بنية هذا الخطاب.

سياق تاريخي موجز

في دجنبر 2020 أُعلن عن اتفاق مغربي-إسرائيلي برعاية أمريكية، في إطار ما سُمّي «الاتفاقيات الإبراهيمية» بعد اتفاقات الإمارات والبحرين (سبتمبر 2020). وقد قدّمت الصيغة الرسمية الخطوة في سياق الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء. ومنذ ذلك الحين، تصاعد الجدل بين فريقٍ يُسوّق للخطوة بمنطق المكسب الدبلوماسي، وفريقٍ يراها مسّاً بالموقف التاريخي من فلسطين.

لا يُطعن في مسألةٍ برأيٍ مجرّد، وإنما يُناقَش الخطاب بما يُنتجه من أثرٍ سياسيٍّ وأخلاقيٍّ على الموقف من القضية المركزية.

أولاً: هندسة الخطاب — كيف يُصاغ التطبيع؟

يمكن رصد أربع آليات أساسية يُبنى بها هذا الخطاب:

  1. التبديل المفاهيمي: استبدال لغة «التطبيع» بلغة «الشراكة» و«الانفتاح» و«السلام»، وتفريغ المصطلح من حمولته.
  2. الاحتجاب بالمصلحة الوطنية: تغليف الخطوة بمنطق «المصلحة العليا» الذي يصعب معارضته دون اتهام المعارض بالخيانة.
  3. التحويل النفعي: التركيز على المكاسب الأمنية والاقتصادية (السلاح، الاستثمار، التكنولوجيا)، وإسكات البعد القيمي.
  4. إعادة تأطير فلسطين: تحويل القضية من قضية تحرّرٍ إلى «ملفٍّ» قابلٍ للتفاوض، أو تقديم التطبيع كطريقٍ للسلام.

ثانياً: إشكالية الشرعية

تكمن المفارقة في أنّ الجماهير العربية والإسلامية — ووفق استطلاعات رأي عام عربية عديدة خلال السنوات الأخيرة — ظلّت ترى في التطبيع مسّاً بالموقف من فلسطين. وبين إرادة السلطة ونبض الشارع تنشأ أزمة شرعية تُدار إعلامياً بالتغطية والتحييد والتعبئة، لا بالإقناع.

والرأي العام في المغرب تحديداً عرف محطات احتجاجية غير مسبوقة، إبان العدوان على غزّة، عبّرت عن تمسّكها بالقضية والتطلّع للإلغاء لا للتطبيع. وفي هذا الإغفال الإعلامي لصوت الشارع، مكسبٌ ظرفيّ وخسارةٌ استراتيجية في الثقة.

ثالثاً: إشكالية الأخلاق

النقد الأعمق للخطاب التطبيعي ليس سياسياً فحسب، بل أخلاقياً. فحين تكون جهة التطبيع شريكاً في احتلالٍ يُصنّف في القانون الدولي بأنه غير مشروع، وحصارٍ جماعيٍّ، وحربٍ تخلّف آلاف القتلى المدنيين، فإنّ «المصلحة الوطنية» لا تُصادر الإنسانية المشتركة. ولذلك لا تستقيم حجّة «الأمن» مع زوال الشرعية الأخلاقية.

رابعاً: النقد لا التخوين

من الإنصاف التمييز بين موقفٍ سياسيٍّ يتنازل عن ثوابت، وموقفٍ آخر يراهن على وجود تدرّجات في التعامل. لسنا نتّهم النوايا، لكنّنا نزن الموقف بمآلاته: كل مسارٍ يُطبّع مع الاحتلال يُطيل عمره ويُقلّل كلفته السياسية. هذا حساب موضوعي، لا خصومة شخصية.

الخلاصة

خطاب التطبيع في الإعلام المغربي يقوم على هندسةٍ لغويةٍ تُخفي المسّ القيمي بلغة المصلحة. مقاربته النقدية تحتاج تمييز الخبر من الرأي، وإبراز المآلات لا النوايا، والتذكير بأنّ شرعية أي قرارٍ لا تُقاس بإعلانه السياسي بل بأثره على القضية المركزية وضمير الأمّة.

الأسئلة الشائعة

هل النقد يعني تخوين الجهات الرسمية؟

لا؛ النقد يصدر على الموقف ومآلاته بحجةٍ ومصادر، لا على النوايا. من حقّ كل مواطن أن يناقش القرارات العامة لأنه يعنيها.

هل يمكن فصل التطبيع عن المصلحة الوطنية كما يُروَّج؟

المصلحة الوطنية مفهوم واسع؛ ولا يُقبل تسويقه لتجاوز ثوابت الأمّة وقضية فلسطين. أي نفعٍ آنيّ لا يعوّض الخسارة في الشرعية والمكانة.

ما البديل العملي عن هذا الخطاب؟

التمسّك بسقف المواقف الرسمية والشعبية الداعمة لفلسطين، ودعم المقاطعة، وبناء إعلامٍ مستقلٍّ يضع القضية فوق الحسابات الظرفية.

المراجع

  1. البيانات الرسمية المعلنة حول استئناف العلاقات المغربية-الإسرائيلية، دجنبر 2020.
  2. الوثائق والمتابعات الصحفية للاتفاقيات الإبراهيمية (2020) وتداعياتها.
  3. استطلاعات الرأي العربية حول التطبيع والقضية الفلسطينية (مراكز استطلاع عربية، 2020-2024).
  4. قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بفلسطين والأراضي المحتلة.

ملاحظة: هذا المقال يعبّر عن رأي تحريري مبني على مصادر معلنة، ويُعرض للنقاش لا للإقصاء.

Larbi Aboudi

Larbi Aboudi

Managing Director & Lead Solutions Architect at TREN Studio & LARTX Media Group. Specializing in enterprise workflow orchestration, autonomous AI agent infrastructure, distributed data pipelines, and high-availability cloud architecture.